ابن كثير
304
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قال السدي : يعني الموت ، قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ أي مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم ، خالِدِينَ فِيها أي ماكثين فيها مكثا مخلدا إلا ما شاء اللّه ، قال بعضهم : يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ ، وقال بعضهم : هذا رد إلى مد الدنيا ، وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها ، عند قوله تعالى في سورة هود ، خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ الأنعام : 107 ] . وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيره هذه الآية ، من طريق عبد اللّه بن صالح كاتب الليث ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي حاتم بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ قال : إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللّه في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا « 1 » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 129 ] وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 129 ) قال سعيد عن قتادة في تفسيرها : إنما يولي اللّه الناس بأعمالهم ، فالمؤمن وليّ المؤمن أين كان وحيث كان ، والكافر وليّ الكافر أينما كان وحيثما كان ، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي واختاره ابن جرير « 2 » ، وقال معمر عن قتادة في تفسير الآية : يولي اللّه بعض الظالمين بعضا في النار ، يتبع بعضهم بعضا « 3 » . وقال مالك بن دينار : قرأت في الزبور ، إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين ، ثم أنتقم من المنافقين جميعا ، وذلك في كتاب اللّه قول اللّه تعالى : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : في قوله وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً قال : ظالمي الجن وظالمي الإنس ، وقرأ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [ الزخرف : 36 ] قال : ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس « 4 » ، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد ، من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي ، عن حماد بن سلمة ، عن عاصم ، عن ذر ، عن ابن مسعود ، مرفوعا « من أعان ظالما سلطه اللّه عليه » وهذا حديث غريب ، وقال بعض الشعراء : [ الطويل ] وما من يد إلا يد اللّه فوقها * ولا ظالم إلا سيبلى بظالم ومعنى الآية الكريمة : كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن ، كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض ونهلك بعضهم ببعض وننتقم من
--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 343 - 344 . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 344 . ( 3 ) المصدر السابق . ( 4 ) المصدر السابق .